تأملات قلبيةمن وحي القلم

الكنيسة الحيّة

انه وقت لتجديد الذهن والحياة كما يحق لإنجيل المسيح

واستمرت الكنيسة وصارت مجرد “مؤسسة” وصار اجتماعها “عرضا متنوعاً ومشوقاً” من الترانيم والعظات يشهده جمهور متراص كتفاً في كتف، قسم من هذا الجمهور يعطش للانتماء لإثبات الذات وتوسل المحبة والقبول، وقسم آخر يأتي ليشغل مكانه بين الصفوف ويخرج ليشيد بتأثير الوعظة الجمّ وجمال الترانيم وبراعة مقدمي العرض ليحصل على (بونص) مجاني من الخدمات المقدمة في هذه المؤسسة،    وقسم أمين في رغبته لسماع صوت الله الذي ينتظره ليغمر كيانه ويعطيه القدرة والطاقة على الحياة والاستمرار بحياته المسيحية خارج أسوار هذه المؤسسة، فما أسهل أن تكون مسيحيًا بضعة ساعات في الأسبوع مع أناس يشجعونك ويثنون على أدائك الجيد في التمثل بهم ولبس دور المسيحي التقيّ المُتدين قبل أن تدخل العرض وتخلعه قبل خروجك، لتعود وتغوص باقي الأسبوع في عمق حيرتك وتشابك أسئلتك مصارعًا إحساسك بالذنب الذي رمته كلمات الوعظ في ذهنك فخاً لتعود في العرض القادم محاولاً التخلص منه لحسن أدائك، هذا الوهم الذي يحولك لمتدين لاتعرف شيئًا عن العلاقة الأبوية مع خالقك وشوقه للتواجد في كل تفاصيل حياتك وللحديث والمسير معك في رحلتك كتلميذ.

بالإضافة لذلك ومع تقدم الوقت لم تعد هذه المؤسسة تقدم لمرتاديها ما يبرر وجودها، فالفضاء الإلكتروني مليء بأفضل الترانيم والعظات، ولكن وللأسف حتى أفضل الترانيم والعظات لا ولن تصنع إنسانًا مسيحيًا. تماماً كما لا تصنع مُشاهدة مباريات كرة القدم لاعبًا واحدًا، ربما تصنع “مُحللين” كرويين على أعلى مستوى، كما نرى… يفهمون في الخطط وخلافه أفضل من المدربين نفسهم.

بل ستصنع أشخاصاً حاملين قلوب حجرية ولابسين نظارات موحدة ترى الناس بسطحية وتعطي نفسها الحق في تقييم إيمانك الظاهر بطاعتك لقوانين المؤسسة وارتدائك (اليونيفورم) الخاص بهذا المكان، أشخاص فٌقدت عندهم الرغبة بالتغيير المستمر كما ينبغي بتلاميذ للمسيح لأنهم يخضعون لتأثير المخدر الذي يتسلل لأفكارهم ويقود سلوكهم وتصرفاتهم،  ويستمرون ويستمرون في تقديم فروض الطاعة والولاء للمكان والقادة، والحضور المنتظم للاجتماعات الدورية والاستثنائية، وسماع كلمات الوعظ والإحساس بالتقصير والذنب في كل مرة، ونعت أنفسهم بصفات حقيرة في صلواتهم لإخفاء كبريائهم المقنع وشعورهم بالأفضلية على باقي المؤسسات المشابهة، بينما هم القضاة والجلادون الذين يصطادون الخطاة ببدايات معسولة الكلام  فاذا وقعوا في الفخ وارتدوا (اليونيفورم) اندمجوا ودخلوا في تلك الدائرة وعاشوا حياتهم دورانًا وتوهانًا كما عاش الشعب القديم في البرية، أما من لم يقع أو لم يستطع الاندماج فسيحكم عليه وسيُزدرى به عله يعود لرشده، إذا لم يعد للقطيع وقوانين القائد سيُترَك حتى يَترُك، ويخرج ليبحث عن مؤسسة ثانية وقوانين تناسبه أكثر.

وبهذه الطريقة ليست الكنيسة فقط هي ما سوف يصبح شكلاً دون مضمون، ولكن الحياة المسيحية نفسها

إذا لم تعد الكنيسة  لتكون كما بدأت؛ مجتمعاً حميمًا صغيرًا يُمارس الشركة الحقيقية، والاعتراف المتبادل ومبادئ وممارسات النضوج الوجداني ويعيش كل وسائط النعمة و التلمذة و التدريبات الروحية  وأيضا التعليم، في هذا الإطار العلاقاتي الحميم الذي يتم فيه التحدي الحقيقي للحياة والنمو الروحي الحقيقي و الإيمان العامل بالمحبة،  فسوف تنتهي،  ولن يكون هناك مبرر لوجودها

الكنيسة كمؤسسة وكشكل حالي  ستنتهي حتمُا أو تتخذ شكلًا هيكليًا غير حي وغير فاعل،

لكن الكنيسة الحقيقية، ستتخذ شكلاً جديداً، تلاميذ للمسيح، أعضاء جسده يعيشون حياتهم معاً بنعمته، يعلمون أنهم يملكون الطبيعة البشرية الضعيفة فيسندون بعضهم بعض ويحتملون بعضهم بعض، يصلون بعضهم لبعض صلوات تحملها مشاعر المحبة وليست الإدانة والتشهير، ويستندون على الروح القدس ليقود خطواتهم ويرشدهم كأفراد بشكل شخصي وكجسد واحد، يسيرون رحلة التلمذة بتواضع التلميذ والرغبة في التعلم من يسوع رأس الجسد ومن اختبارات وخبرات بعضهم بعض، يفرحون معًا ويتعزون معًا، لديهم قلب لحميّ يحب الخطاة دون أن يحكم عليهم، يصلي ويتشفع ويقترب باحترام منهم ليروا فيه محبة وصفات معلمه دون أن يجلده بآيات من الكتاب المقدس ويخنقه بأحاسيس الخوف والذنب.

تلاميذ ممتلؤون بالحياة، يُشعون محبة ولطف، يعيشون الواقع بصعوباته وضغوطاته متراصين مع بعضهم مستندين على النعمة الإلهية والرجاء بالكلمة، كلمة الله في الكتاب المقدس وكلمته الشخصية لهم، يخطئون فيعترفون ويتوبون ويتعلمون، يحبطون فيشفون بالمحبة ويقومون ويستمرون.

في الحياة لديهم هدف وحيد أن يعيشوا ملء العلاقة الحيّة مع الله الخالق ويسوع المُعلم والروح القدس المُرشد، لديهم عيون ترى عمق الأشياء والأشخاص، وقلوب تمتلك تلك الرحمة التي قادتهم للتوبة فلا يشعرون بالأفضلية على غيرهم، تلاميذ فقراء لا يملكون شيئًا ولايرغبون بالتملك لكنهم يغنوا كثيرين، يعملون ثم يعلمون، لايستعرضون معرفتهم ولا يبغون الإعجاب والتصفيق.

لاينتمون لشخص أو مكان، بل يشدّون أحقائهم ويذهبون للناس يخبرونهم عن محبة الله وفداء المسيح وبناء الملكوت، سفراء عن المسيح في كل مكان، يحملون لهم خدمة المصالحة التي صنعها بموته وصلبه، ويبشرون برجاء القيامة والحياة الأبدية. فهم كالملح يذوبون في مجتمعاتهم وكنور يغوصون في غياهب الظلمة ليضيئوا، لايهابون حتى الموت لأن لهم الحياة هي المسيح والموت بالنسبة لهم هو ربح.

“لذلك انا ايضا اذ قد سمعت بايمانكم بالرب يسوع، ومحبتكم نحو جميع القديسين، 16 لا ازال شاكرا لاجلكم، ذاكرا اياكم في صلواتي، 17 كي يعطيكم اله ربنا يسوع المسيح، ابو المجد، روح الحكمة والاعلان في معرفته، 18 مستنيرة عيون اذهانكم، لتعلموا ما هو رجاء دعوته، وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين، 19 وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين، حسب عمل شدة قوته 20 الذي عمله في المسيح، اذ اقامه من الاموات، واجلسه عن يمينه في السماويات، 21 فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل ايضا، 22 واخضع كل شيء تحت قدميه، واياه جعل راسا فوق كل شيء للكنيسة، 23 التي هي جسده، ملء الذي يملا الكل في الكل.” أف 3

د.حياة

7-2024

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى