
” أرجوك أسرع، لا أريد أن أتأخر عن موعدي فأنا بالكاد استطعت أن أحجزه عند هذه الطبيبة المشهورة” قالتها وجلست في المقعد الأمامي للسيارة مسندة رأسها للخلف تنسج حلمها بخيوط ملونة تختلط بها مشاعر الأمومة والفخر بأنها ستنجب (ولي العهد)، ابتسمت وهي تتذكر كيف تتداول عائلة زوجها هذا التعبير لوصف مجيء ابنها بعد أربعة شهور ونيّف…..
” لن نتأخر، لدينا من الوقت ما يكفي للوصول والانتظار أيضاً” قالها الزوج الوسيم وأدار السيارة ووضع قدمه على دواسة البنزين وانطلق في رحلة مجهولة الطريق ومبهمة النهاية.
ابتدأت رحلتي بمشهد حُفر بإزميل الألم في الحصين… ذلك المكان في الدماغ الذي يحفظ لنا ذكرياتنا مُغّلفة بمشاعرنا وأحاسيسنا المختلفة، لكن طرقة الإزميل هذه محت كل ذكرى كان يمكن أن تصنف جميلة أو مشوقة……… وللحظة واحدة فقط استطاع الدماغ تمرير شريط لأجمل فترة في حياتنا قررنا أن نبدأها معاً، ورسمنا خارطة طريق لمستقبلنا معاً، وسرنا يداً بيد لنحقق كل تفصيل فيها بحرص ودقة.
صحوتُ على صرختها وهي تتوسل للطبيبة علها تغير أقوالها المستندة على صورة الإيكو ثلاثي الأبعاد التي كانت قد أجرتها لها للتو، تقدمتُ منها وحضنتها فدفنت رأسها بين يدي وأجهشت ببكاء حمل كل مرارة الهدم، فقد هدمت هذه اللحظة كل أحلامنا ببناء أسرة طالما خططنا لبنائها معاً، لا بل هدمت بكل قسوة آمال عائلتين ينتظرا رؤية ولي العهد قبل أن يغادرا العالم بسلام.
ورأيت نفسي على شفا حفرة الاستسلام والسقوط. فصرخت لمعونة من إلهي تسعفني في هذه اللحظات القاسية وأنا أنظر لشاشة الايكو وأرى طفلي المنتظر مصاباً بتشوه خلقي.
خرجنا معاً مستندين على بعضنا، يعزي بعضنا الآخر بصمت ممزوج بألم وحيرة ودوامة من الأسئلة تخبط بهيجانها جدران نفوسنا البشرية المحدودة الهشة، حتى وصلنا لعشنا الصغير الذي كنا نأمل بأن يمتلأ بصرخات وضحكات طفلنا المنتظر.
اسندت رأسها للخلف ووضعت يدها على بطنها تتلمس حركته علها تستطيع أن تتكهن ردة فعله، ونظرت للسقف كأنها تبحث عن شيء فقدته هناك، وهمست السؤال الذي يهمسه كل بشريّ حينما يدخل بوتقة الألم: ” لماذا؟”، لم أستطع الإجابة فقد انهارت كل دفاعاتي وفقدتُ كل مهاراتي على التحليل والتفكير المنطقي، وبينما تسللت دمعة خفية وداعبت جفوني المتصلبة توتراً وقلقاً احتضنت رأسها المتعب حتى لاتشهد ضعفي، وقررت أني لن أنكسر …. سأكون الرجل الصلب الصلد الذي سيحمل كل هذا وسيظل واقفاً منتصب القامة.
ومرت أيام عدة معدودة بالثواني، وجاء السؤال المرتقب: ” ماذا سنفعل؟، هل سنبقيه لنعيش ويعيش مع هذا التشوه، أو…….؟” لم تستطع إنهاء سؤالها ودخلت غرفتها لتفرغ ما بقي في قلبها المتألم من نوح وبكاء، وبقيت وحدي أصارع مع هذا السؤال وما سيتبعه من مسؤولية أخذ القرار والتنفيذ، ولأول مرة في حياتي كلها أرى نفسي كم أنا ضعيف، كائن صغير حائر يتلمس الخروج من غرفة مظلمة لا يجد فيها للباب طريق.
أغلقتُ باب المنزل وأخذت طريقي بعيداً ووحيداً في سيارتي وصرخت: ” يا إلهي؟” لكن كلماتي لم تعينني على البوح كما فعلت دموعي المنسكبة أنهار ألم ونواح، انهارت كل جدران دفاعاتي التي كان تسندني طوال الفترة الماضية، كانت قد بدأت بالانهيار رويداً رويداً وأنا أسمع نحيب عائلاتنا ورثائهم لنا ولطفلنا المنتظر، بل وأنا أهز رأسي مجاملاً أشخاصاً كثيرين وهم يدلون بآرائهم المنطقية والمدعمّة أحياناً بالتدين وأحياناً أخرى بالاستسلام للقدرية، ولكني اكتشفت أن لا أحد يستطيع أن يفهم ويقدّر ما يجول داخلنا من مشاعر وحيرة وشك واضطراب، وكان لدي رغبة جامحة أن أقول للجميع: ” أرجوكم رفقاً بنا، يا ليتكم كنتم كأصدقاء أيوب في بدايتهم تنوحون معنا بصمت بدون أن تطعنونا بكلماتكم وآرائكم الفارغة من أي مشاعر وعزاء”.
وقفت على رأس الجبل ونظرت لمدينتي التي كانت السماء تعانقها بحنو ورفق، وفكرت كم من منزل اخترقه قطار الألم هذا بشكل أو بآخر، كم من شخص داسته عجلات الأيام وهو يتلوى حائراً، أو يستلقي استسلاماً، كم من معزي متعب زارهم وكم من متكبر قاسي أدانهم وحاكمهم بنظراته قبل كلماته؟، أظن، بل أجزم أنهم كثيرون، أنينهم المحمول بنسمات الهواء يكاد يلمس روحي، وصرخاتهم تشق السماوات وتهيم في فضائها تائهة حائرة.
رفعت رأسي إلى السماء ألتمس عوناً، عوناً لأستطيع أن أعين شريكة حياتي، لطالما كنت سنداً لها ومصدر رعاية وأمان، لكني اكتشفت أني أنا أحتاج أيضاً لمعونة، فأنا بالنهاية إنسان ولو كنت رجلاً، فالرجل أيضاً كائن بشري محدود، لديه قدرات وإمكانات معينة، قلبه يحزن دون أن يستطيع البكاء، نفسه تخاف دون أن تستطيع الهروب، فالرجل في مجتمعنا أشبه بصنم يكاد يخلو من الأحاسيس، يعيش فقط ليسند ويدعم……….
” لذلك إلهي وأبي السماوي آتي إليك بكل ما أحمله من حزن وشك وحيرة وضعف، وأصرخ إليك: أعن ضعف إيماني وارحمني، أنت يامن وهبت ابنك الحبيب ليذوق هول العذاب والموت، قادر أن تشعر بمشاعري، وأن تضع حداً لحيرتي كما وضعت للبحر حد لا يتعداه”
صمتُ مجبراً لأسمح لسيل دموعي بالانهمار قبل أن أختنق بآهاتي المكتومة، وتابعت ” لقد عرفتك كأب سماوي وشرفتني بأنك قبلتني من حظيرة أخرى لأكون مع خرافك وأعيش حياتي كتلميذ مطيع، أنت تعرف قلبي يا الله وتعرف كم أتوق لأعرفك أكثر وأعيش حياتي حسب مشيئتك الصالحة لي، لكن حيرتي المتشابكة مع نصائح من حولي ومنطقية الأفكار البشرية ترميني كل يوم من ضفة لأخرى دون أن أعبر لأجد شاطئ الأمان لأفكاري وقراري، يجب أن ننطق بالحكم مجبرين لا خيار لنا، فالعلم والتعقل البشري يقودنا لأن نحكم بإيقاف حياته تحت عنوان الرحمة له من حياة قد تقسو عليه وعلينا، لكن في أعماق قلبي وثنايا روحي صوت يصرخ ويأمر بالحياة، فأنت من تأمر وتعطي الحياة، وأنت الوحيد القادر أن تنهيها، أرجوك إلهي ضع حداً لحيرتي وارحمني”
وتناهت إلى سمعي كلمات سمعتها في ترنيمة تقول: ” يلي أمامك حياتي من قبل تكويني، مكشوفة ليك يا جابلني أيامي وسنيني……”
” نعم حياتي مكشوفة أمامك قبل أن أولد، كذلك حياته مكشوفة أمامك (لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيّه. نَسَجْتَه فِي بَطْنِ أُمِّه. 14 يحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّه قَدِ امْتَاز عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. 15 لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِه حِينَمَا صُنِعَ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمَ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. 16 رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِه، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا)“.
قلت كلمات المزمور هذا ووقفت في مكاني مذهولاً، ” من أنا يا سيد؟ من أنا لأقرر أن أُنهي حياة كائن أنت أمرت له بالحياة؟”.
قفزت داخل سيارتي وعدت لكني لست وحيداً، كنا نتحادث كل الطريق كأصدقاء، كنت أرمي عنده أفكاري وهو يفلترها وينقيها، كنت أعترف بحيرتي وضعفي وهو يربت على كتفي متفهماً، لم أطلب تفسيراً ولم أسأل لماذا، لأني لست بحاجة أن أحاجج رب السماء والأرض، جلست بحجمي المحدود الصغير أمام عظمته وجلاله، أشكره وأحمده،
وقلت: “إلهي الحبيب أنا أعلم جيداً أنك إن سمحت أن نعبر في هذا الوادي فلأنك تعلم أننا نستطيع، ولأنك تثق أننا سنعبر، أعلم أن معونتنا السماوية حاضرة معنا، ويدك تسندنا وتمدنا بالتعزية في كل وقت”
أمسكتُ بيدهاً وسرنا معاً كما تواعدنا لنخط بداية جديدة لا نعرف فيها كيف نسير، لكن نعرف من معنا ونرى النهاية في الأبدية معه، لم تسألني شيئاً واتفقنا ألا نتناقش في هذا الموضوع، فإرادته الصالحة هي التي ستحسم الأمر، وسنمر في وادينا معاً تسندنا يده وتعزينا كلماته. إيماننا به وكلامه هو سلاحنا في ظلمة أفكارنا وخبث حيرتنا التي تبرر أفعالنا المنافية لهذا الإيمان، وهذا الإيمان سيقود أفعالنا لنواجه به جهل هذا العالم، فكما أن الجسد بلا روح ميت كذلك الإيمان بلا اعمال ميت أيضاً.
د. حياة
7-2024


