تأملات قلبيةمن وحي القلم

الهدوء القسريّ

رحلة إلى أعماقنا

الهدوء القسريّ، هو حالة من الهدوء لا تختار أن تمر بك، تُفرض عليك بقوة لا تستطيع مقاومتها، تلك القوة المركبة من حدود قوامها حجارة قاسية وُضعت لأجلك لتحميك من الاندفاع وتضمن أن تدرس كل خطوة تخطط للقيام بها.

هل مررت بهذه الحالة مرة؟ افترض لو أن سنواتك متقدمة كالتي لي ستكون قد مررت بها مرات عدة.

هي حالة من الشلل، الشلل المكاني والزماني، تجد نفسك خلال هذه الفترة وكأنك في زنزانة منفردة غيرمتوجه للزمان أي أنك لا تدرك أن الدقائق تمر كما الساعات كما الأيام، زنزانة لاتجد فيها أنيس تتقاسم معه الأفكار أوتشاركه المشاعر، تحاول وتحاول مراراً وتكرارأن تبحث في قائمة اتصالاتك وصِلَاتك لكن الكل غائب أو بالأحرى حاضر غائب على غير المعتاد،

ومع أنك في زنزانة منفردة لكنها لم تكن تحميك من هجوم ألد أعدائك وهو الأفكار، فلا سلاح لديك ولا درع تحصن به نفسك من هجوم يستنزف ماتبقى فيك من قوة ويرميك أرضاً تحت أقدام الماضي، وتخونك مشاعرك عندما تتحالف مع عدوك وتفوز عليك بالضربة القاضية، إذ تبذل قصارى جهدها في إفراز أكثر أنزيماتها خبثاً وهو الإحساس بالذنب، لتدخلك في دائرة مفرغة تظل تدور فيها حتى تلفظ آخر أنفاسك، بعد أن قاومت وجاهدت زمن ليس بقليل.

لاأنكر أنك قاومت بشراسة ومازلت لكي لاتدخل هذا -المكان الزمان-، ضاربت الهواء بكل ماتستطيعه من قوة استجمعتها من خبراتك السابقة المتكبرة وانتصاراتك القديمة المزيفة، حاولت بكل المحاولات البشرية التافهة التي لم تكن إلا محاولات محدودة لاتستطيع التقدم فيها أو إحراز أي نقطة لصالحك.

وعندما تقع أرضاً وتصبح غير قادر على الحراك تمتد لك يد تُمسكُ فيها بقوة غريق يرى نجاته في قشة، لكنها تمسك بكفك بقوة القادر ولمسة الحنون، وترفعك لتقف ثانية بمعجزة تكتشف بعد حين أنك كنت مُستند عليه وليس على رجليك.

يرفعك يضمك لا بل ويحضنك فتُدفنُ لحظات كالعمر بين حنو ضلوعه وهدوء نبضه، قد تختار بنفسك أن تكون إقامتك هنا جبرية اختيارية، لكنه يُقيمك ثانية لتجد نفسك واقفاً على رجليك، ثابت ثبات الحب في نظرة عينيه، وتجلس قبالته بعيون يملؤها الامتنان، تحاول أن تقول شيئاً لكن الكلمات تذبل والعبارات تهوي أمام عظمته، فتختار حينها الصمت الذي يبث فيك الحياة من جديد.

وتختبر ربما لأول مرة أنه يكلمك بالصمت ويعلمك بالصبر ويقوتك بتلك الخلطة العجيبة التي قوامها التقويم ونكهتها المحبة.

وتتعلم درساً بلغة لا تستخدم الكلمات للتأنيب أو التقويم، ولا تستعين باللوم أو العتاب، لاتنشر لك الأخطاء ولا تشير للضعف ولا تحرض مشاعر الذنب للعودة لقلب الآب، فلهذا القلب جاذب لا تستطيع مقاومته أو الهروب منه، هو البيت والوطن.

فيا صديقي علك تستمع لكلماتي وتلتقط إشاراته وتفهم أنه لا بقدراتك ولا بقوتك ستعبر المراحل بل بعون روحه، علك تدرك أنه بالرجوع والسكون تَخلُص وبالهدوء والطمأنينة تكون قوتك، ففي التسليم قوة وفي الاتكال الواعي العامل معه خبرة تُرمَى أمامها كل خبراتك الواهية،

علك تدرك مثلي كَمَ وعُمق الحب الذي غمرني وهو يقودني لأعبر بالألم مرحلة جديدة وأكتنز فيها خبرة جديدة، خبرة لست أنا من صنعها بل من خاضها بمعيته، فالخبرات البشرية مهما بدت لنا عظيمة تذوب كالملح عند دخولنا بثقتنا المعتدة بأنفسنا في العمق حيث نواجه حيتان الخوف والشك والحيرة، ونظن أننا نستطيع محاربتها والتغلب عليها، لكننا ندرك هناك أننا لن ننجو إلا إذا سلمنا، نعم سلمنا فصرنا نُحمَل.

ووصلنا محملين بخيباتنا وتوقعاتنا وحلولنا وإحباطنا لندفنها عند الشاطئ ونمضي بالجراح لنستمر برحلتنا، رحلة شفاء وتعافي نتعلم فيها ونُعَلمُ ونساعد آخرين للسير فيها، ونسير كمن وضع يده على المحراث ناسين ماهو وراء وممتدين لما هو قدام، نحمل في قلوبنا رجاء بأننا نستطيع لا أن نخوض الأعماق فقط بل أن نمشي مثله على الماء.

للمهتمين فقط

لقد شعرت أنني ربما أكتب بطريقة غريبة أو عميقة تجعل وصول أفكاري صعب أو مشوش، لذلك رأيت أن أكتب ملحق أحاول صياغة الفكرة ببضع كلمات بسيطة.

الفكرة هنا أننا في أحيان كثيرة نمضي بعيداً عن إلهنا وسيدنا ومعلمنا بأفكارنا وطرقنا البشرية المحدودة، فيُعد لنا خطة نعرف خلالها محدوديتنا وضحالة أفكارنا مقارنة بأفكاره وطرقه لنا

طريقته معي أنه يبعدني عن مكاني ويجعلني وحيد، وأجد أمامي كمٌ من المشاكل والطرق الخاطئة التي سلكت فيها بفكري وقلبي وسلوكي بعيداً عنه، وعندها يجبرني على قضاء فترة الهدوء القسري فأرى الأمور بوضوح أكثر وأستطيع أن أحدد مواطن الضعف والأخطاء، وأغرق في حالة من الصراع والمقاومة، حتى أرفع الراية البيضاء وأعلن أني استسلمت وليس بيدي شيء لأفعله راميًا كل خبراتي وثقتي الزائفة في نفسي، وأسلّم له كل ماضيّ وحاضري، عالمًا أنه هو من يستطيع وليس أنا، وأثق بحكمته وقدرته وأمشي قدمًا حرًا من كل مشاعر مؤذية أو أفكار خاطئة عن نفسي وعن الآخرين،

هذا مايفعله إلهي عندما يقودني للعمق في خطوة أخرى للنضج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى