تأملات قلبيةمن وحي القلم

حتى متى؟

ماذا تقول بعد أن ينتصف بك العمر ومازلت تنتظر حلماً عَبَر أثناء غفوة المنطق والواقع في أيام شبابك؟
قد تُسميه حلماً لأنه الأثمن والأھم بالنسبة لك. لكنك عندما تُقيّمه تراه من أساسيات الحياة وضامن الاستمرار فيھا.
ماذا تقول عندما ترى سواد الأيام التي مرت عليك وتنتظر أياماً أظلم وأشد صعوبة، وأنت تحاول التقاط أنفاسك لتستطيع البقاء وربما التقدم.
قد تشعر بالظلم والغضب والحنق والبؤس والعجز …. مشاعر تجعلك تُبتَلع في مھاوي اليأس والإحباط، وتسحبك أمواج السوداوية والكآبة إلى حيث
تعجز عن الحركة وتفقد كل أمل في النجاة.
وتسأل لماذا؟
يارَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيداً وَتَحْتَجِبُ فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟
حتى متى؟
حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ بِالظُّلْمِ وَتَنْحَازُونَ إِلَى الأَشْرَارِ؟
وتخرج صرخة من أعماقك:
اِرْجعْ يَا رَبُّ، حَتَّى مَتَى؟ وَتَرَأَّفْ عَلَى عَبِيدِكَ.
وفي لحظة تسمع فيھا لصوت روحك الخافت اللطيف، يسأل:
وفي كل ھذه الرحلة ھل أعوزك شيء؟
وتستعرض في ثوان أحداث وأيام ومواقف مررت بھا وعبرت فوقھا، وتجيب بخجل: لا
واذكر وعده لي: لاَ يُخْزَوْنَ فِي زَمَانِ السُّوءِ، وَفِي أَيَّامِ الْجُوعِ يَشْبَعُونَ.
وأدرك أنك كنت متكلي في كل سنين عمري من الرحم حتى المشيب
فأَنْتَ أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ. أَنْتَ جَعَلْتَنِي أَنَامُ مُطْمَئِنا وَأَنَا مَازِلْتُ عَلَى صَدْرِ أُمِّي. أَنْتَ مُتَّكَلِي مِنْ قَبْلِ مِيلاَدِي، فَأَنْتَ إِلَھِي مُنْذُ كُنْتُ جَنِيناً.
فأفرح وأبتھج لأنك أنت إلھي وكذلك يَبْتَھِجُ جَمِيعُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ. إِلَى الأَبَدِ يَتَرَنَّمُونَ، لأَنَّكَ تُظَلِّلُھُمْ بِحِمَايَتِكَ،
فَيَفْرَحُ بِكَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ اسْمَكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ يَارَبُّ تُبَارِكُ الْبَارَّ وَتُطَوِّقُهُ بِتُرْسِ رِضَاكَ.
وأرفع يداي عالياً وأقول:
اللھُمَّ، مَا أَثْمَنَ رَحْمَتَكَ! فَإِنَّ بَنِي الْبَشَرِ يَحْتَمُونَ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ. يَرْتَوُونَ مِنْ خَيْرَاتِ بَيْتِكَ، وَمِنْ نَھْرِ نِعَمِكَ تَسْقِيھِمْ.
لأَنَّ عِنْدَكَ نَبْعَ الْحَيَاةِ، وَبِنُورِكَ نَرَى النُّورَ.
أَدِمْ رَحْمَتَكَ لِعَارِفيِكَ، وَعَدْلَكَ لِذَوِي الْقُلُوبِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
لاَ تَدَعْ قَدَمَ الْمُتَكَبِّرِ تَبْلُغُنِي، وَيَدَ الأَشْرَارِ تُزَحْزِحُنِي.
فأرى جلاله وأفھم رحمته فأقول:
أَشْبِعْنَا بِالْغَدَاةِ مِنْ رَحْمَتِكَ، فَنَبْتَھِجَ وَنَفْرَحَ كُلَّ أَيَّامِنَا.
وأدرك معنى الفرح الحقيقي
فَرِّحْنَا كَالأَيَّامِ الَّتِي فِيھَا أَذْلَلْتَنَا(دربتنا، علمتنا كيف نكبر ونصبح رجالاً)، كَالسِّنِينِ الَّتِي رَأَيْنَا فِيھَا شَرا.
حينما كانت يدك معي، وكنت تحملني وتُعِّبرني فوق المصائب، فأرى فعلك وأُبصر جلالك
لِيَظْھَرْ فِعْلُكَ لِعَبِيدِكَ، وَجَلاَلُكَ لِبَنِيھِمْ.
فأقول وأعلن للملأ:
فَرَحًا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ. تَبْتَھِجُ نَفْسِي بِإِلھِي.
الربُّ ھو االله، وكل مايفعله ھو حقٌّ وعدل، يُخرِج من الجافي حلاوة، يحول نوحي إلى رقص ويكسيني رداء الفرح.

بقلم/ د. حياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى