أأعود إليك!

ندم
أأعود إليك بعدما أضناني بعدك وانهكني فراقك؟
أأعود بعدما خنت عهدي وهجرت عشّي وحلقت بعيداَ بعيداَ جداَ دون أن أدرك أنني بهذا أضع يدي في نير العبودية؟
أأعود بعد أن تركتك وحيداَ مذهولاَ تتسائل لماذا؟ مالذي تتوقين للحصول عليه لم تجديه في كنفي؟
ما طعم الحب المحدود الهزيل الذي تبحثين عنه وترغبين بتذوقه من يد غير يدي؟
لكني ذهبت وابتعدت بعيداَ رويداَ رويداَ دون أن أشعر بالذنب أو بمرارة الفراق لأني كنت غارقة في بحار نفسي الهائجة المتطلبة لا أرى شيئًا حولي غيرها، حاجاتي باتت تقودني بعدما غطت غشاوة عيني وصرت إنسانة أنانية بكل معنى الكلمة تبحث عن سعادتها فقط، وبعدها سحبني التيار إلى أرض غير أرضي ومكان غير مكاني، ولم أستيقظ حتى قذفتني موجة عالية ورمتني أرضاَ لأستيقظ وأصحو من شدة ألمي وأتسائل: مالذي حدث؟ أين أنا؟ مالذي أتى بي إلى هنا؟
كانت الوحدة تقتلني وبُعدي عنك يعذبني.. نضارة وجهي ذبلت .. وكلَّت عيناي من الحزن .. وصرت أعوم في دموعي وأنا اصرخ إليك: أين أنت؟ لماذا سمحت لي أن أترك عشي وأبتعد عن حياتي فيك؟ لماذا؟
اشتقت إلى شعوري بالأمان في حضنك الدافئ … اشتقت لأن أرمي برأسي على كتفك وأنام بسلام .. اشتقت ليدك الحنون تمسك بيدي وتقودني كما في الماضي أنت تسير وترى الطريق وانا أنظر إليك بفخر وأقول هذا هو أبي الذي أثق به وأسير معه مُغمضة العينين وأضع أحمالي بين يديه.
نظرت حولي فلم أجد غير الألم والاضطراب، بحثت عنك وصرخت أين انت؟ لماذا تركتني ألا تعنيك أشواقي؟ أما سائك حالي؟
لكن لم أجد إجابة ولم أسمع أي رد ……. فانتظرت .. انتظرت لأني أعلم انك تنتظرني .. تنتظر أن أدرك أني أخطأت وأندم على ما فعلت وأقرر بإرادتي ماذا سأفعل بعد هذا، فأنا لم اعد صغيرة وصرت قادرة على فهم وإدراك أعمق الأمور وأصعبها، وكذلك قادرة على إتخاذ قرارت أكثر صعوبة وتعقيدًا.
لكن كان لابد من هذا حتى أشعر بخطأي الفادح الذي فعلته وتركته يقودني بعيداَ عنك ….. وفهمت .. فهمت كل شيء وعرفت ماذا يدور في أعماق أعماق نفسي، عرفت أني لم أدرك حتى الآن قيمتي الحقيقية التي وهبتها لي عندما صرت إبنتك بالتبني، لم أعي الثمن الغالي جداَ الذي دفعته لكي أصبح ابنتك المحبوبة على قلبك،
وكأني عُدت إلى ماضيّ وسمحت للرسائل السلبية التي كانت تصلني من الآخرين أن تؤكد لي أني إنسانة بلا قيمة.. إنسانة غير موجودة.. إنسانة لا تستحق الإهتمام والرعاية، لذلك كنت دائمًا أحاول ان أثبت لنفسي وللآخرين أنى إنسانة محبوبة ومرغوبة من الجميع فكنت لطيفة المعشر وطيبة القلب ظاهرياَ. كنت أحب الآخرين حتى يحبونني بالمقابل وأحصل على تأكيد لنفسي أني موجودة ومحبوبة. أي أشتري الحب بالحب وهذا كله ليس حباَ، حتى أني كنت أسيطر على الآخرين بهذا الحب حتى لا يتركونني وحيدة.. وهكذا أصبحت حياتي تتمحور حول العلاقات والناس وبت لا أستطيع ان أعيش ولا ليوم واحد دون أن أحتاج أن أُكلم أو أرى احدًا …
لكني بعدما ظننت أني شفيت تحولت هذه السيطرة إلى شكل خفي مستبطن……. ربما أدركت قيمتي فيك، وتحسنت صورتي لنفسي. لكن إدماني للعلاقات ومحبة الناس لم ينتهي كما ظننت، بل وضع في إطار جميل مناسب وهو مساعدة الناس وتقديم العون لهم.
لكن لحظة…. هل هناك من ضرر في هذا؟ أظن أنه لاضرر من هذا إذا كان صادر عن قلب مُشبع بالحب وبدوافع نقية ليس هناك من هدف وراءه، ولو هدف خفي قد يكون في مثل حالتي هو استمرار امتصاص رحيق الحب والإهتمام من الآخرين ليحقق الشبع العاطفي والنفسي لي
كم انا غبية وعنيدة، فقد أخبرتني عدة مرات أن الشبع العاطفي والإرتواء لن أحصل عليه إلا منك، وجربت عدة مرات ومرات لكن في كل مرة كُنت أتلقى الصدمة تلو الأخرى وأعود إليك بشوق وندم …….
أما آن الأوان أن افهم.. فعلا كم أنا غليظة القلب والفكر!!!!!
وأتساءل لماذا مرة أخرى؟
لكني علمت وأدركت السبب: أنه من عظم محبتك لي ومن تقديرك لقلبي المثخن بالجراح قلت لي : أنني لن أجد أحدًا يستطيع أن يشبع هذا القلب إلا أنت , لأني قطعة من قلبك استمد الحياة والإستمرار منك أنت مباشرة وعندما أبتعد سأتألم من نقص التروية لأن شراييني لن تستطيع الحصول على أكسجين البقاء .
قلت لي مرارًا وتكرارًا أنك المصدر الوحيد لكل ما احتاجه لكني سمحت لعوزي وحاجتي أن تقودني بعيدة عنك، وهاهي الآن تُعيدني إليك بشوق الرضيع لصدر أمه.
أعود إليك لأرتمي على صدرك وابكي نادمة على كل لحظة سببت فيها الألم لقلبك الحنون الدافئ، أعود لأقر بضعفي وعجزي واطلب وجهك من جديد وانا أعلم يقيناَ أنك لن تحجب وجهك عني
علمت وأدركت وفهمت قصدك لحياتي، علمت أنك وحدك مصدر الحياة لي وأدركت أنى بدون وجودك في حياتي ليس لي حياة وفهمت أنني بالنعمة أنا محبوبة ومقبولة بكل عيوبي وعجزي وضعفي وزلاتي.
وعرفت مقدار حبك العظيم لي هذا الحُب الذي يعوضني ويشبع قلبي ويروي ظمأ نفسي ويشفي أعماق أعماقي ويُطلقني حرة أطير وأحلق أينما أريد لكني أعود لمكاني المحفوظ لي لأني أعلم ان لي مكان في قلب الله الآب
15/3/2011
بقلم/ د. حياة




